عبد الملك الخركوشي النيسابوري

173

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وقال أيضا : أصل العبودية إفناء الطمأنينة . وعن أبي إسحاق الموازينى قال : سمعت سهل بن عبد اللّه يقول : ليت شعري ، كيف الطريق إلى رضاك ، أم كيف السبيل إلى مراعاتك ؟ فإذا بهاتف يهتف : متى ما أسقطت عنك الاعتراض علينا ، فقد وصلت إلى حقيقة العبودية . وقال أبو عبد اللّه المغربي : من ادعى العبودية وله مراد باق فيه ، فهو كاذب في دعواه ، إنما تصح العبودية لمن أفنى مراداته ، وقام بمراد سيده ، يكون اسمه ما سمّى به ، ونعته ما حلّى به ، إذا دعى باسم أجاب عن العبودية ، فلا اسم له ولا وسم ، ولا يجيب إلا لمن يدعوه بعبودية سيده . وأنشأ يقول : يا عمرو تارى عند زهراء * يعرفه السّامع والرّائى لا تدعني إلّا بيا عبدها * فإنّه أصدق أسمائي وقال يحيى بن معاذ : إن العبد إذا أنصف ربه عزّ وجلّ من نفسه غفر له . وقيل : ينبغي للعبد أن تكون له خصلتان ؛ افتقار الحبيب صلى اللّه عليه وسلم قوله : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ « 1 » . نفى أن يكون له من نفسه شئ ، أو يعتمد حالا ؛ بل أظهر أن الكل منه لمن له الكل ، من لا يملك الأصل كيف يملك الفرع ؟ ومن لم يملك الفرع ولم يملك نفسه كيف يملك لها ضرا أو نفعا ؟ ومن صحت له هذه الحالة فقد سلمك من مدح الخلق وذمهم ، والطمع فيهم ، والتوسل بهم ، قوله عزّ وجلّ : إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ضرا أو نفعا إنه جلّ جلاله الضّار النافع . والخصلة الثانية : عذر يونس عليه السلام ، قوله عزّ وجلّ : لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 87 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ « 2 » ، نزّهّه عن الظلم في فعله به ، ونسب الظلم إلى نفسه اعترافا واستحقاقا . وقال بعضهم : حقيقة العبودية شيئان : الرضا بالقضاء ، والعمل بما يرضى . - وسئل سهل بن عبد اللّه عن العبودية ، فقال : الرضا بفعال اللّه تعالى . قيل له : فما

--> ( 1 ) سورة يونس : 49 . ( 2 ) سورة الأنبياء : 87 ، 88 .